الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
175
نفحات القرآن
عقيدة الشرك والانحراف عن محور التوحيد طيلة تاريخ الأنبياء والأمم السالفة ممّا لا يمكن إنكاره ، وأنّ الأقوام المتخلّفة فكرياً وثقافياً ، أو بقيت متخلّفة بفعل إعلام الطغاة ، قد اعتقدوا أنّ الوجود منحصر في المحسوسات وتنتهي الفطرة الإلهيّة بالإله المحسوس وهذا هو أحد العوامل المهمّة في نشوء عقيدة الشرك في التاريخ . توضيح لماذا ألِفوا عالم الحسّ ؟ ! من الواضح أنّ أصول المعلومات لدى الإنسان بأجمعها تستمدّ من المحسوسات أوّلًا ، لأنّ الإنسان حينما يفتح عينيه يلاحظ عالم المادّة ويتعرّف على عالم المحسوسات والطريق الموصل إلى ما وراء الحسّ ، بل وتصوّر الوجود المجرّد عن الزمان والمكان والمادّة يتمّ بعد الدراسة والتحليل في المسائل الفكرية والعقلية والروحانية ، فلا غرو إذن أن تكون عبادة الأصنام مذهباً للُامم المتخلّفة . فمن جهة يعلو نداء عبادة اللَّه من باطن فطرتهم وتدعوهم قوى المعرفة الإلهيّة إليه ، ومن جهة أخرى وبسبب مغلوبيتهم أمام عالم الحسّ والمادّة تصعُب عليهم معرفة اللَّه المجرّد عن الزمان والمكان والمادّة ، ولذلك فإنّهم يسيرون في طريق الشرك ويشفون ظمأ أرواحهم بالآلهة الخيالية بصورة كاذبة . وبما أنّ مجموعة من خدمة معبد الأصنام بل الكثير من الحكّام الطغاة ينتفعون من هذا الأمر فإنّهم يرغبون فيه ، وفي النهاية يصبح كدينٍ رسمي للبلاد . ومن العجيب أن تترسّب هذه الأفكار أحياناً في أعماق الكثير من عباد اللَّه الحقيقيين ، وللمثال على ذلك أنَّ بعض الناس يقول في قَسَمه : قسماً باللَّه الذي هو في السماء ! ! ويتصوّرون أنّنا حينما نرفع أيدينا إلى السماء حين الدعاء أنّ ذلك إشارة إلى اللَّه وأنّه يجلس على كرسي الاقتدار وقد اجتمعت الملائكة من حوله !